استيقظ معاذ في صباح مشرق، استعد لنشاطه اليومي المفضل وهو الجري في أزقة حيه الهادئ. ارتدى جوربه وحذاءه الرياضي بعناية، ووضع سماعاته في أذنيه مشغلاً موسيقاه المفضلة التي تمنحه الحماس. وقبل أن ينطلق، لمح جاره أحمد يخرج من منزله؛ كان أحمد يبدو أنيقاً بملابس العمل، يحمل في يده حقيبته الجلدية التي امتلأت بالأوراق والملفات، بينما تتدلى من جيبها الخارجي سماعته الطبية التي اعتاد استعمالها في عيادته، والتي كانت تهتز مع خطواته الواثقة. حياه معاذ بابتسامة وود، ثم انطلق. وبينما كان مستمتعاً بنسمات الهواء وإيقاع الموسيقى والخطوات المنظمة، تعثرت قدمه بحجر ناتئ لم ينتبه له، فالتوى كاحله بشكل مفاجئ.
سقط معاذ أرضاً وهو يطلق صيحة ألم دوت في أرجاء المكان، وأمسك بكاحله. سمع جاره أحمد الصرخة فهرع إليه مسرعاً، أعانه على الجلوس وبدأ يساعده برفق في نزع الحذاء والشراب. حينها, لاحظا سوياً بداية انتفاخ وتورم في الكاحل مع احمرار واضح. لم يتركه أحمد وحيداً، بل حمله وأسنده على كتفه ببطء حتى أعاده إلى منزله، وهناك أجلسه على أقرب "كنبة" ليريح قدمه. طمأنه أحمد قائلاً: "لا تقلق يا معاذ، هذا الذي تراه هو (التهاب)، وهو رد فعل طبيعي من جسمك لحمايتك".
تكئ معاذ بظهره محاولاً رفع قدمه فوق وسادة، وكان يشد على أسنانه من وخز الألم الذي يزداد مع كل حركة. نظر إلى كاحله المتضخم بذهول وقال وهو يلهث: "التهاب؟! كيف يكون التهاباً بهذه السرعة يا دكتور؟ أنا لم أمضِ سوى دقائق منذ سقطت! كنت أظن أن الالتهاب يحتاج وقتاً طويلاً ليحدث، لكن قدمي تبدو وكأنها اشتعلت في ثوانٍ!".
تنهد أحمد بعمق وهو يتأمل ملامح معاذ المتألمة والمندهشة في آن واحد، وفكر بينه وبين نفسه أن أفضل طريقة لتهدئة روع معاذ وتشتيت انتباهه عن الألم هي استغلال فضوله الواضح؛ فقد بدا معاذ متعطشاً لفهم ما يجري، ومثل هذا النوع من الشخصيات يجد راحته في المعرفة والتعلم. لذا، قرر أحمد أن يأخذه في رحلة خيالية تعليمية ليسليه بها.
وضع أحمد يده على كتف معاذ وقال بنبرة هادئة: "أغمض عينيك يا معاذ.. أنصت جيداً وتخيل نفسك تصغر وتصغر حتى تصبح بحجم خلية واحدة ضائعة وسط أنسجة كاحلك.. من هنا، يمكنك أن تسمع لغة تخاطب غريبة، لغة لا فهمها الآذان بل تستشعرها الكيمياء".
تنهد أحمد بعمق وتابع وصفه المشهد: "انظر يا معاذ إلى هذا الدمار المروع الذي تراه أمامك الآن.. في لحظة الالتواء القاسية تلك, لم تكن مجرد قدم تلتوي، بل كانت كارثة حلت بمدن مجهرية كاملة؛ لقد تعرضت أنسجة كاحلك وعضلاتك لضغط هائل وتمدد عنيف فاق كل الحدود، مما مزق جدران الخلايا الرقيقة شر ممزق. هل ترى تلك الجدران المنهارة؟ إنها تصرخ تحت وطأة التمدد، ومن فجواتها العميقة ينسكب الآن مخزونها السري بغزارة.. إنه 'الحمض الخام' المعروف بـ (حمض الأراكيدونيك)، الذي يتدفق كبقعة زيت سوداء تغرق موقع الحادث".
في تلك اللحظة الحرجة، لم يقف مركز القيادة في الخلية مكتوف الأيدي؛ فقد استشعرت "النواة" حجم الدمار فوراً، وأدركت إدارة الخلية المصابة أن الكارثة تتطلب تدخلاً غير مسبوق. في غضون ثوانٍ، أطلقت الإدارة العنان لـ "رجل الطوارئ" الملقب بـ COX-2؛ حيث كان يقبع مستعداً بانتظار إشارة البدء. حينها فقط، أدرك رجل الطوارئ جسامة مهامه، فاستل قلمه الخاص وعبأه بذاك "الحمض المنسكب" ليستخدمه كحبر لا ينضب. أخرج رزمة من الأوراق وبدأ يكتب عليها بسرعة فائقة رسائل مشفرة ومعقدة، موجهة بدقة لإعلان حالة الطوارئ القصوى في أرجاء الجسم. كانت كل هذه الرسائل تحمل عنواناً واحداً متفقاً عليه بيولوجياً منذ الأزل: (بروستاجلاندين)، ثم أطلقها في كل مكان لتبدأ ملحمة الإنقاذ.
ولكن، ما هي هذه الرسائل يا معاذ؟ إنها ليست مجرد حبر على ورق، بل هي 'مفاتيح الألم' الحارقة. بمجرد انطلاق البروستاجلاندين، تتوجه بسرعة نحو النهايات العصبية المنتشرة في كاحلك، فتقوم بخفض 'عتبة الألم' لديها؛ أي أنها تجعل أعصابك حساسة بشكل مفرط لأي لمسة أو حركة. ثم تواصل هذه الرسائل رحلتها عبر الأسلاك العصبية الطويلة لتصل إلى النخاع الشوكي ومنه إلى مركز الإحساس في المخ. هناك، تقتحم البروستاجلاندين ردهات عقلك لتصرخ في وجهه: 'هناك حريق في الكاحل!'. هي المسؤولة عن تحويل تلك التمزقات الصامتة إلى نبضات مؤلمة تشعر بها في وعيك، وهي التي تجبر مخك على رفع درجة حرارة المنطقة، وكأنها تطلق صافرات الإنذار ليعرف الجميع أن العمليات الحيوية يجب أن تتوقف فوراً لصالح الإصلاح".
فتح معاذ عينيه ونظر لأحمد مندهشاً وتساءل بمرارة: "ولكن لماذا كل هذا الضجيج يا دكتور؟ ماذا استفاد جسمي من هذه الأعراض المزعجة؟ احمرار، وانتفاخ, وحرارة حارقة، وألم يمنعني حتى من تحريك قدمي.. هل هذا فعلاً في مصلحتي؟".
أجابه أحمد مبتسماً: "سؤالك ممتاز! في الواقع، جسمك يقوم بهجوم دفاعي منظم؛ فالحرارة والاحمرار يعنيان أن الدماء تتدفق بغزارة حاملةً الأكسجين والمواد البنائية، والتورم هو بمثابة 'سياج أمني' لعزل الإصابة وتسهيل حركة قوات التنظيف. أما الألم، هو وسيلة الجسم ليقول لك: 'توقف فوراً ولا تستخدم هذا العضو حتى لا يتفاقم الضرر'. كل هذا هو تمهيد لعملية الإعمار".
هز معاذ رأسه غير مصدق، وسأل بذهول: "وكيف يحدث كل هذا؟! أعني، كيف تعرف هذه الخلايا الصغيرة والرسائل الكيميائية طريقها بدقة? كيف يحدث هذا التنسيق العسكري بهذه السرعة وكأن هناك قائدًا يوجههم؟!".
عدّل أحمد من جلسته وأوضح قائلاً: "السر يكمن في ذكاء 'رجل الطوارئ' يا معاذ. تلك الرسائل الورقية التي كتبها ووزعها في كل مكان هي التي تركت الأثر الذي تتبعه قوات الجسم؛ فكل رسالة منها تستخدم لتدل الجميع على الموقع الدقيق للحريق. تخيل أن رجل الطوارئ قام بلصق 'ملصقات تحذيرية' ملونة على أماكن الضرر، وأينما تركزت هذه الملصقات وزادت كثافتها، تتبعتها أجسامك المناعية وكأنها مغناطيس يجذبها نحو الهدف. لا يوجد قائد عسكري واحد، بل هناك مليارات الجزيئات التي تتبع هذه الملصقات الكيميائية المبرمجة سلفاً في حمضك النووي".
واسترسل أحمد في وصف المشهد بحماس: "تخيل الآن مع تدفق الدم الغزير، كيف تتباطأ قوات التدخل السريع (كرات الدم البيضاء من نوع الخلايا البالعة) الضخمة والمحترفة بجانب جدران الأوعية، ثم تنسل بمهارة من الثقوب الصغيرة لتصل لقلب المعركة. لقد دلتها الملصقات الكيميائية لرجل الطوارئ على الموقع بدقة، لتقف وسط الحطام قائلة بصوت حازم: 'يا رفاق، ابدأوا التنظيف!'. وتبدأ فوراً بمهمتها المبرمجة في التخلص من كل تلك الخلايا الميتة والأنقاض الناتجة عن الالتواء.
ومع هذا الغزو المناعي، ترتفع حرارة المنطقة بشكل ملحوظ؛ فاندفاع الدم المحمل بالطاقة والنشاط الكيميائي المكثف للخلايا يخلق طاقة حرارية محلية تسرع من معدل التفاعلات الحيوية. وفي هذه اللحظة تحديداً، تتدخل قوة دعم الاستقرار المتمثلة في وحدات بروتين (فيبرين)، حيث تبدأ بنشر حواجز وأشرطة أمنية مكثفة حول المناطق المصابة وبين الخلايا الممزقة. هذه الألياف تعمل كـ 'نطاق أمني' صارم، يربط الأجزاء المتهالكة ببعضها ليضمن بقاء كل شيء في مكانه ومنع انهيار الأنسجة أثناء الترميم. ومع هذا الهجوم الكاسح وبناء هذا السياج الليفي، تندفع السوائل والبروتينات خلفها لتغمر المنطقة بالكامل، وهذا بالضبط ما يفسر ذلك التورم العنيف الذي تراه أمامك الآن".
أطلق معاذ تأوهاً عميقاً وهو يشد على الوسادة تحت قدمه، وقال بنبرة يتخللها الوجع: "آسف يا دكتور أحمد.. كلامك مذهل ولكن الألم شنيع! لم أعد أحتمل هذا الوخز والنبض في كاحلي، أريد أن أخففه بأي شكل، أشعر وكأن هناك من يطعنني بإبر محماة!".
نظر أحمد إليه بتمعن وفكر قليلاً ثم قال: "حالتك الآن هي مزيج من التهاب كيميائي وإصابة عضلية حادة، وهذا ما يفسر شدة الألم. أفضل مسكن لهذه اللحظة هو التبريد الفوري". ثم نهض مسرعاً وأحضر كيساً من الثلج الملفوف بقطعة قماش ووضعه برفق على كاحل معاذ قائلاً: "هذا الثلج سيقوم بتهدئة ثورة الأوعية الدموية وتقليل فيضان السوائل. والآن، تناول هذه الحبة.. إنها فولتارين، ستكون هي القوة الضاربة التي توقف معامل الألم من الداخل".
لم يتردد معاذ للحظة, بل مد يده والتقط الحبة بدون تفكير وبلعها فوراً مع رشفة ماء، متلهفاً لأي طوق نجاة. بدأ أحمد يشرح له ما يحدث في تلك اللحظة: "تخيل الآن أن الفولتارين دخل كـ 'رجل أمن قوي' ومدرب، سيتوجه مباشرة نحو موقع الإصابة ليبحث عن 'رجل الطوارئ' . بمجرد أن يراه وهو يكتب رسائل الألم بجنون، سيتقدم منه بلهجة حازمة ويأمره بالتوقف فوراً، ثم سيقوم بتكبيل يديه بإحكام! وبهذا، سيتوقف رجل الطوارئ عن إرسال برقيات الاستغاثة، وسيتوقف جسمك عن فهم وجود الألم، لأن مراكز استقبال الرسائل لم تعد تجد ما تقرأه".
بعد دقائق قليلة، بدأت ملامح وجه معاذ تسترخي، وتلاشت تشنجات جبهته مع برودة الثلج التي خدرت موقع الألم وبدء مفعول المسكن. تنهد بعمق وشعر براحة فعلية لأول مرة منذ سقط، فنظر إلى أحمد بامتنان كبير وقال: "أوه.. يا إلهي! شكراً لك يا أحمد، لا أعرف كيف أشكرك.. لقد بدأت أستعيد أنفاسي أخيراً. يبدو أن هذا الفولتارين معجزة حقيقية، أعدك من الآن فصاعداً أنه سيكون صديقي الدائم، سأتناوله في كل مرة أشعر فيها بأي وخز أو ألم!".
فجأة، نهض أحمد من مكانه وصرخ بجزع: "لا يا معاذ! توقف! هل تعتقد حقاً أن كل هذا الخدر السحري وإزالة الألم المفاجئة لا يكون له ثمن باهظ يدفعه جسمك؟". ثم بدأ يشرح بنبرة جادة: "عليك أن تعرف أن 'رجل الطوارئ ليس وحيداً، بل له أخ توأم مطابق له تماماً في الشكل الخارجي، لكنهما يختلفان كلياً في المهام.. إنه 'رجل البناء والترميم' الملقب بـ COX-1. بينما ينشط رجل الطوارئ فقط في الكوارث، يعيش رجل البناء في جسمك بشكل دائم ليقوم بوظائف حيوية لا يمكن العيش بدونها؛ فهو الذي يطلي جدران معدتك بطبقة مخاطية عازلة تحميها من الهضم الذاتي بواسطة أحماضها، وهو الذي يضمن بقاء أوعيتك الدموية منفتحة ومرنة، وهو المسؤول عن تنظيم ضغط الدم وتدفق السوائل في الكليتين لتعمل بانتظام".
وبما أن الفولتارين رجل أمن قوي ولكنه "غشيم"، فهو لا يمتلك الحنكة الكافية للتفرقة بين الأخوين التوأمين؛ فبمجرد دخوله للساحة، وبسبب الشبه الكبير بينهما، يقرر تكبيل يديهما معاً بلا تمييز! نظر الفولتارين إلى "رجل البناء والترميم" بغلظة وأوقفه عن العمل فوراً، مما جعل المعدة تصرخ ألمًا: "ماذا فعلت؟! لقد كبّلت الرجل المسؤول عن ترميم جدراني، وبدأ الحمض يحرقني!".
ولم يتوقف الأمر هنا، بل وصل صدى هذا القرار إلى الكليتين. كانت ادارة الكلية تجلس تراقب تدفق الدم، وفجأة شعرت بضيق في أوعيتها، فصرخت الكلية منزعجة: "أين رسائل البروستاجلاندين التي كانت تبقي أوعيتي مفتوحة؟ لقد كبّل الفولتارين رجل البناء المسؤول عن توازني.. لا أستطيع التنفس.. لا أستطيع تصفية السموم بهذا الضغط!".
نظر أحمد إلى معاذ وقال: "أرأيت يا معاذ؟ الفولتارين بطل في تخفيف الألم، لكنه بطل أرعن، يدخل البيت ليصلح عطلاً في الكهرباء، فيقطع بالخطأ أنابيب المياه في المعدة والكلى".







