السبت، 28 فبراير 2026

الدينار المزيف



دخل "كاسيوس"، المسؤول عن خزائن الإمبراطورية، إلى الشرفة الملكية بخطوات مضطربة ووجه شاحب. كان الإمبراطور "أوريليوس" متكئًا على أريكة فاخرة منسوجة بالأرجوان، يحتسي نبيذًا معتّقًا في كأس من الفضة، وبين حين وآخر يلتقط حبات العنب من طبقٍ ذهبي موضوع إلى جواره. حوله جلس نفرٌ من علية القوم: كبار التجار وأعضاء مجلس الشيوخ الروماني، يتبادلون الأحاديث الهامسة والابتسامات المحسوبة، بينما يتابع الجميع تدريبات المجالدين في الساحة السفلية. وكلما دوّى صوت سيفٍ اصطدم بآخر ارتسمت على شفتي الإمبراطور ابتسامة رضا، كأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا لا معركة دامية. وعلى أطراف المجلس وقف عبيد يحملون المراوح والأباريق، وكتبة يدونون الملاحظات، في حين كانت خادمات رشيقات، يتنقلن في هدوء لخدمة السادة وتعبئة الكؤوس، في مشهد يجمع بين الترف والسلطة واللامبالاة.

تقدّم كاسيوس وهو يحمل رزمة من الرقوق الرسمية، وانحنى قائلًا: "يا مولاي، أحتاج إلى ختمك الإمبراطوري على هذه النفقات. إن مدارس المجالدين ومنظمي السيرك يطالبون بمبالغ طائلة، وقد بلغت الأرقام حدًّا لم نعهده من قبل".

تناول الإمبراطور الأوراق بنظرة ملل، ووضع ختمه عليها دون تمعّن، ثم قال: "الجمهور يريد الدم والتسلية، والجيش يريد مكافآته ليظل وفيًّا. لا تُثقلني بالتفاصيل، دبّر المال فحسب".

صمت كاسيوس لحظة قبل أن يقول بصوت خافت: "ولكن يا مولاي… الخزانة لا تملك حتى نصف هذه المبالغ، والذهب الذي يأتينا من المناجم بالكاد يكفي لتغطية نفقات القصور". رفع الإمبراطور يده بوقار وقال بحسم: "النقاش انتهى، لدي ضيوف يحضرون الآن، فلا تفسدوا علي متعة المشاهدة والمجلس".

********

في ليلة باردة، اجتمع كاسيوس مع مستشاريه في قبو دار السك، وقد بدت على وجهه ملامح إرهاقٍ وقلقٍ عميق. وقف في صدر المجلس وقال: "أيها السادة، إن مولانا الإمبراطور يرغب في حلّ هذه الأزمة المالية قبل أن تستفحل، وقد حمّلني مسؤولية البحث عن مخرجٍ يحفظ هيبة الدولة ويصون استقرارها. دعوتكم الليلة لأنكم أهل الرأي والخبرة، ولأن نصحكم الصادق هو السند الذي نعتمد عليه في الشدائد. إن الخزانة تئنّ تحت وطأة النفقات، والوقت لا يسمح بالتأجيل. فليدلِ كلٌّ منكم برأيه دون خوف، فمصير الإمبراطورية بين أيدينا".

ساد الصمت لحظة، ثم بدأت الاقتراحات تتوالى. اقترح أحدهم زيادة الضرائب، فقوبل اقتراحه بالرفض خوفًا من ثورة المزارعين واضطراب الأقاليم. واقترح آخر مصادرة أموال حاشية الإمبراطور وكبار التجار المقرّبين من البلاط، غير أن الحاضرين حذّروا من أن الخناجر قد تصل إلى ظهر الإمبراطور قبل طلوع الصباح إن مُسّت مصالحهم.

عندها تقدّم شيخ خبير في شؤون النقد والسك، وقال بصوت منخفض: "لديّ مقترح قد يبدو جريئًا… لِمَ لا نُبقي العملة ذهبًا خالصًا، ولكن نُخفّف وزنها؟"

قطّب كاسيوس حاجبيه وقال: "تخفيف الوزن؟ أوضح قصدك، فنحن لا نحتمل مغامرة غير محسوبة".

قال الشيخ: "الدينار اليوم يُسكّ من جزءٍ من أربعين جزءًا من الرطل الواحدة. أي إن الرطل الواحد يعطينا أربعين قطعة. فإذا جعلناه جزءًا من خمسةٍ وأربعين من الرطل بدلًا من أربعين، فإن الرطل نفسه سيُعطينا خمسًا وأربعين قطعة بدل أربعين".

تقدّم كاسيوس خطوة وهو يقلب الفكرة في رأسه وقال: "وهل يلحظ الناس الفرق؟"

أجاب الشيخ بثقة: "الفرق يسير في الميزان، لا يكاد يدركه عامة الناس. خذ مثالًا: إن كان الرطل الواحد من القمح يُباع بدينار واحد، فسواء كان الدينار جزءًا من أربعين أو من خمسة وأربعين من الرطل، فلن يتفطن السوق في البداية. لكننا سنحصل من كل رطل ذهب على خمس قطع إضافية. لا غشّ في المعدن، بل تخفيف في الوزن… وفارقٌ يتراكم في خزائن الدولة".

ساد الصمت في القاعة، وكأن الجميع يحسب في ذهنه عدد ارطال الذهب الراقدة في المخازن، وعدد القطع التي يمكن أن تولد منها.

لمعت العيون، وارتسم الطمع على الوجوه. لقد وجدوا الحل السحري: صناعة المال من الفراغ.

ومنذ تلك اللحظة، أخذت دار السك تعمل ليلًا ونهارًا، وبدأت الدنانير "المخفَّفة" تسري في عروق الإمبراطورية كسُمٍّ بطيء.

********

بعد أسابيع، في سوق روما المزدحم، كان التاجر "ماركوس" يعرض بضاعته من الحرير. اقترب منه صبي صغير يريد شراء وشاح، ودفع له دينارًا ذهبيًا جديدًا لامعًا. وضع ماركوس العملة على ميزانه الصغير الذي ورثه عن أبيه، فتجمّد في مكانه.

لم تنخفض الكفّة كما ينبغي.

رفع رأسه وصرخ: "أيها الغلام! هذا الذهب خفيف، من أين حصلت عليه؟"

أجهش الصبي بالبكاء وقال: "أقسم لك يا سيدي إن والدي تسلّمه اليوم راتبًا من الحرس الإمبراطوري".

لم يكد الصبي يغادر السوق حتى نقل ما جرى إلى صبية التجار الآخرين في ساعة الغذاء والراحة، يروي لهم كيف صرخ ماركوس في وجهه لأن الدينار كان أخف في الميزان. ومن هناك بدأت الهمسات تنتشر بين الدكاكين، ثم تحولت إلى أحاديث جهرية في الأزقة. تجمّع الناس، وأخرج كل تاجر ميزانه. كانت الصدمة عامة؛ الدنانير الجديدة أخف وزنًا، والميزان لا يكذب.

اندلع الشجار، وتحول الغضب من الصبي إلى الدولة نفسها. ومع هذا، بدأ الناس يلاحظون أن هناك عملتين متداولتين الآن في السوق: عملة ثقيلة وأخرى خفيفة. وتحولت العملة نفسها إلى سلعة؛ فالدينار القديم الخالص أصبح قطعة ذهبية ذات قيمة مستقلة، بينما أصبحت العملة الخفيفة أداة شراء محدودة، ما أدى إلى التخبط في عمليات الشراء والبيع وارتفاع الأسعار بشكل مضاعف. حاول الإمبراطور ورجاله تهدئة الوضع عبر المنادين في الأسواق، يخبرون الناس أن الدينار ما زال كما هو، وأن الدولة قوية وتعلم تمامًا ما تفعل، فلا خوف على التجارة أو الاقتصاد.

امتلأت الأسواق بالدنانير الجديدة، لكن الثقة بها تلاشت. أدرك الناس أن الحكومة فقدت مصداقيتها، وفقد التجار الثقة في العملة، وبدأوا يشعرون بأنهم يبيعون بضاعتهم بدينار لا يساوي قيمة ما يقدمونه من سلع.

وخلال أيام قليلة، انتشرت القصة في أرجاء روما. صار التجار يطلبون دينارين أو ثلاثة من العملة الجديدة مقابل بضاعة كانت تُباع بدينار قديم واحد. وبدأ الأثرياء يجمعون الدنانير القديمة ويكنزونها، فتحولت العملة القديمة إلى سلعة قائمة بذاتها.

عاد بعض الناس إلى المقايضة: قمح مقابل زيت، وملح مقابل قماش. وارتفع سعر الخبز عشرة أضعاف، وفقدت الدولة قدرتها على متابعة البيع والشراء، ففقدت معها قدرتها على تحصيل الضرائب. والذي كان يظن نفسه ميسور الحال، استيقظ ليجد أن مدخراته لا تشتري له عشاءً.

حتى الجنود، الذين كان الإمبراطور يخشى غضبهم، اكتشفوا أن رواتبهم لا تكفي لشراء خبز أو سلاح. تركوا مواقعهم على الحدود، وعادوا إلى روما… لا ليحموا القصر، بل لينهبوه.

وقف الإمبراطور "أوريليوس" في شرفته يحدّق في الفوضى، والدخان يتصاعد من بعيد. أدرك متأخرًا فداحة ما اقترفه، وأن الدولة التي تغش عملتها إنما تغش نفسها أولًا، وتفقد بها مصداقيتها وهيبتها. لم يعد الأمر مجرد جنود أو أموال، بل فقدت الدولة ثقة الناس وإيمانهم بها كخادم لهم ومستفيدين من وجودها كضابط للعلاقات بينهم، وأن قوة الدولة الحقيقية لا تقوم إلا بثقة شعبها ومصداقيتها في أعينهم.

روما، سيدة العالم، صارت أطلالًا.

وتحت التراب، بقي الدينار المخفَّف شاهدًا على اللحظة التي قررت فيها السلطة أن تخدع شعبها… فانهارت وهي تظن نفسها أذكى من الجميع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )